فهم إخفاء المشاعر لدى الأطفال ذوي التنوع العصبي

معالجة المشاعر تشير إلى القدرة على التعرف على المشاعر وفهمها والتعامل معها بطريقة تساعدنا في إدارة أفكارنا وسلوكياتنا ورفاهيتنا العامة. تشمل هذه العملية عدة خطوات أساسية:
تحديد المشاعر – التعرف على ما نشعر به (مثل الحزن أو الغضب أو الفرح).
فهم المشاعر – معرفة سبب شعورنا بطريقة معينة وما الذي قد يكون أدى إلى ذلك.
التعبير عن المشاعر – إيصال مشاعرنا بطريقة صحية وبنّاءة.
تنظيم المشاعر – إدارة المشاعر بفعالية لتجنب الشعور بالإرهاق أو الانغماس في الضيق.
تعتبر القدرة على معالجة المشاعر أمرًا ضروريًا لأنها تمنع كبت المشاعر، وتعزز الوعي الذاتي، وتحسن العلاقات، وتقلل من القلق والتوتر. المشاعر جزء أساسي من طبيعتنا البشرية، فهي تشكل كيفية تواصلنا مع الآخرين، وتساعدنا في التعامل مع التحديات، وفهم أنفسنا بشكل أعمق. ولكن ماذا يحدث عندما تبدو المشاعر وكأنها لغز يصعب حله، شيء بعيد المنال، صعب الفهم، بل وأكثر صعوبة في التعبير عنه؟
بالنسبة للعديد من الأطفال ذوي التنوع العصبي، هذه تجربة يومية. فالأطفال المصابون بالتوحد، واضطراب فرط الحركة ونقص الانتباه، وغيرهم ممن يعانون من اختلافات عصبية، غالبًا ما يواجهون صعوبة في معالجة مشاعرهم—في التعرف على ما يشعرون به، وفهم سبب هذا الشعور، والتعبير عنه بالكلمات. وهذا قد يجعل التفاعلات الاجتماعية محيرة، وتنظيم المشاعر أمرًا صعبًا، والتعبير عن الذات مرهقًا.
للتكيف مع هذه التحديات، يلجأ العديد من الأطفال ذوي التنوع العصبي إلى استراتيجية تُعرف باسم الإخفاء—وهي إخفاء مشاعرهم الحقيقية وتقليد سلوكيات الأشخاص العصبيين النموذجيين للاندماج في المجتمع. ورغم أن الإخفاء قد يساعدهم في التفاعل مع الآخرين، إلا أنه غالبًا ما يكون على حساب صحتهم النفسية والعاطفية.
معظم الناس يتعلمون التعرف على المشاعر بشكل طبيعي، من خلال التقاط الإشارات الدقيقة من أجسادهم ومن حولهم. لكن بالنسبة للأطفال ذوي التنوع العصبي، قد لا تكون هذه العملية تلقائية.
العديد من هؤلاء الأطفال يعانون من الأليكسيثيميا، وهي حالة تجعل من الصعب عليهم تحديد مشاعرهم والتعبير عنها. وتزداد هذه الصعوبة بسبب التحفيزات الحسية الزائدة والضغط الذهني الذي يواجهونه يوميًا. تخيل أنك في بلد أجنبي، تشعر بالعطش الشديد، ولكنك غير قادر على طلب الماء لأنك لا تفهم اللغة. هذا هو الحال بالنسبة للأطفال الذين يعانون من صعوبة في التعبير عن مشاعرهم—إنه نضال يومي يؤثر على جميع جوانب حياتهم.
وبسبب هذه الصعوبة في التعبير عن المشاعر، قد يظهر هؤلاء الأطفال وكأنهم “ينفجرون غضبًا”، فيتصرفون بطرق تُعتبر “غير مقبولة اجتماعيًا”. وغالبًا ما يؤدي هذا إلى تدريب الأطفال على كبت مشاعرهم أكثر، مما يجعلهم يلجؤون إلى الإخفاء بشكل متزايد.
ما هو الإخفاء؟
تخيل أنك ترتدي درعًا ثقيلًا يخفي حقيقتك. قد يبدو هذا الدرع وقائيًا في البداية، مما يساعدك في التعامل مع المواقف الاجتماعية الصعبة. ولكن مع مرور الوقت، يبدأ هذا الدرع في سحق روحك الداخلية، مما يجعلك تشعر بالعزلة والفراغ والانفصال عن ذاتك الحقيقية.
بالنسبة للأطفال ذوي التنوع العصبي، يتخذ الإخفاء أشكالًا متعددة. قد يشمل ذلك تقليد مشاعر وسلوكيات الآخرين، أو إجبار أنفسهم على الحفاظ على التواصل البصري أثناء المحادثات، أو كبت حركات التهدئة الذاتية الطبيعية مثل التكرار الحركي (stimming). هذه السلوكيات ليست محاولة لخداع الآخرين، بل هي استراتيجيات للبقاء، ناتجة عن الضغوط الاجتماعية والرغبة العميقة في الاندماج والخوف المستمر من الحكم عليهم.
ولكن عواقب الإخفاء مدمرة. فالجهد المستمر للحفاظ على هذه الواجهة يؤدي إلى الإجهاد المزمن، والقلق الشديد، والإرهاق العاطفي. وعلى المدى الطويل، يقمع الإخفاء تطوير هوية ذاتية حقيقية ويزيد من مشاعر الوحدة.
لورا تريسترام، المؤسِّسة المشاركة ومديرة الرفاهية في Lumii.me وLumii.Life، لديها خبرة مباشرة في هذا المجال كونها أمًا، وتوضح كيف يمكن للمعلمين وأولياء الأمور أن يسيئوا تفسير سلوكيات الإخفاء:
“يمكن للأطفال ذوي التنوع العصبي أن يصبحوا بارعين في محاكاة سلوكيات أقرانهم العصبيين النموذجيين، وغالبًا ما يظهرون كأعضاء هادئين في الفصل، لا يرفعون أيديهم للإجابة على الأسئلة، ولا يبدون مظاهر واضحة للضيق. للأسف، هذا يعني أنهم قد لا يتم ملاحظتهم ويفتقدون للدعم الذي يحتاجونه بشدة. ولكن بعد يوم كامل من الإخفاء في المدرسة، قد يظهر للأهل جانب مختلف تمامًا من الطفل بمجرد وصوله إلى بيئة آمنة، حيث يمكن أن تحدث انهيارات عاطفية أو انغلاق تام أو إحساس طاغٍ بالإرهاق.”
كيف يمكننا دعم الأطفال والبالغين ذوي التنوع العصبي خلال أسبوع التوعية؟
خلق بيئة داعمة حيث يشعر الأطفال بالقدرة على فهم مشاعرهم والتعبير عنها أمر ضروري لرفاهيتهم. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
تعزيز الوعي العاطفي باستخدام أدوات مثل مخططات المشاعر، والقصص الاجتماعية، ومذكرات المشاعر في الروتين اليومي، مما يساعد الأطفال على التعرف على مشاعرهم وتسميتها.
توفير مساحات آمنة للتعبير، حيث يتم تقبل جميع المشاعر حتى لو كانت غير مألوفة، لضمان شعور الأطفال بأن مشاعرهم مشروعة ومقبولة.
استكشاف طرق تواصل بديلة، حيث لا يشعر كل طفل بالراحة في التعبير اللفظي. يمكن أن توفر الوسائل الإبداعية مثل الفن، والحركة، والأنشطة الحسية طرقًا قوية للتعبير عن عالمهم الداخلي.
التواصل المتعاطف عبر التعليقات الداعمة مثل “أرى أن هذا صعب عليك. هل ترغب في التحدث عنه أم تفضل أخذ استراحة؟” مما يعزز لديهم الشعور بأن تجاربهم مهمة.
مع اقتراب أسبوع التوعية بالتنوع العصبي، من المهم أن نتبنى اختلافاتنا ونتذكر أن كل شخص يشعر ويتفاعل بطريقته الفريدة. من خلال فهمنا ودعمنا لرحلة كل فرد العاطفية، يمكننا خلق بيئة يشعر فيها الجميع بالتقدير والفهم.